حكم تداول العملات الرقمية في العراق: الوضع القانوني والحكم الشرعي

زاد الاهتمام بالبيتكوين والعملات الرقمية خلال السنوات الأخيرة، ومعه زادت الأسئلة في العراق حول جانبين مختلفين يجب عدم الخلط بينهما: ما موقف الجهات الرسمية العراقية من تداول العملات الرقمية؟ وما الحكم الشرعي للتعامل بها؟
الإجابة ليست مجرد “حلال أو حرام” ولا مجرد “مسموح أو ممنوع”، لأن الموقف التنظيمي في العراق يتعلق أيضًا بالمصارف وشركات الدفع والمحافظ الإلكترونية والحماية القانونية، بينما الحكم الشرعي توجد بشأنه آراء وفتاوى تختلف باختلاف طبيعة العملة وطريقة استخدامها.
في هذا الدليل نفصل بين الوضع القانوني والتنظيمي في العراق وبين الحكم الشرعي للعملات الرقمية، ونوضح أيضًا وضع التعدين والمخاطر التي يجب معرفتها قبل التعامل مع أي منصة أو شركة.
محتويات
ما هي العملات الرقمية والمشفرة؟
العملات الرقمية المشفرة هي أصول رقمية تعتمد في معظم الحالات على شبكات وتقنيات موزعة مثل البلوكشين، ويتم تداولها إلكترونيًا دون وجود مادي كالعملات الورقية.
ومن أشهر الأمثلة:
- Bitcoin
- Ethereum
- وغيرها من الأصول المشفرة.
لكن عبارة “العملات الرقمية” قد تستخدم أحيانًا بمعنى أوسع يشمل العملات الرقمية الرسمية التي يمكن أن تصدرها البنوك المركزية، وهي تختلف من الناحية القانونية والتنظيمية عن العملات المشفرة اللامركزية.
وهذا التفريق مهم جدًا عند الحديث عن الحكم القانوني أو الشرعي.
ما موقف البنك المركزي العراقي من العملات الرقمية؟
الموقف الرسمي العراقي الأكثر وضوحًا صدر عن البنك المركزي العراقي.
ففي نوفمبر 2021 حذر البنك من التعامل بالعملات الرقمية والمشفرة والافتراضية، موضحًا أنها لا تخضع آنذاك لضوابط أو تشريعات قانونية أو رقابية أو فنية في العراق، وأن البنك لا يكفلها ولا يوفر حماية قانونية لمن يتعامل بها، كما لم يمنح تراخيص لعملات رقمية مشفرة.
ثم في مارس 2022 قرر البنك منع استعمال البطاقات والمحافظ الإلكترونية لغرض المضاربة والتداول بالعملات الرقمية بجميع أنواعها، وطلب من المصارف والمؤسسات المالية غير المصرفية المجازة توعية العملاء بمخاطرها.
وفي فبراير 2023 أعاد البنك التأكيد على منع استخدام البطاقات والمحافظ الإلكترونية للمضاربة والتداول بالعملات الرقمية، وطالب المؤسسات المالية وشركات الدفع بمنع وتتبع مثل هذه التعاملات.
كما يوضح تقرير تقييم مخاطر الأصول الافتراضية الصادر عن البنك أن المؤسسات الخاضعة لإشرافه مُنعت من التعامل بهذه الأصول أو فتح حسابات أو تنفيذ تحويلات مرتبطة بها، وأن البنك لم يمنح تراخيص لمزودي خدمات العملات الافتراضية أو المشفرة وفق الوضع الموضح في التقرير.
هل تداول العملات الرقمية ممنوع في العراق؟
هنا يجب أن نكون دقيقين.
المصادر الرسمية التي راجعناها تثبت بوضوح وجود قيود وتحذيرات من البنك المركزي العراقي، ومنها منع المؤسسات المالية وشركات الدفع الخاضعة لإشرافه من استخدام البطاقات والمحافظ الإلكترونية لأغراض المضاربة والتداول بالعملات الرقمية.
لكن لا يصح تحويل ذلك تلقائيًا إلى عبارة مبسطة مثل:
“كل شخص يتداول العملات الرقمية في العراق يرتكب جريمة.”
المصادر الرسمية التي راجعناها لا تدعم بهذه الصياغة المطلقة هذا الاستنتاج.
الأدق أن نقول:
العملات المشفرة ليست مدعومة أو محمية من البنك المركزي العراقي، وهناك قيود رسمية على تعامل المؤسسات المالية وشركات الدفع بها واستخدام البطاقات والمحافظ الإلكترونية في المضاربة عليها.
لذلك يجب التحقق من أحدث تعليمات البنك المركزي قبل التعامل مع أي خدمة أو منصة.
هل توجد شركات عملات رقمية مرخصة من البنك المركزي العراقي؟
من المهم أيضًا عدم الخلط بين شركات تداول الأسهم أو الوساطة المالية وبين شركات العملات المشفرة.
في ديسمبر 2024 حذر البنك المركزي العراقي من شركات تداول واستثمار وهمية تدعي أنها مرخصة منه، وأكد أن البنك لا يمنح تراخيص لشركات التداول بالأسهم والمعادن والعملات المشفرة بالشكل الذي كانت تلك الجهات تروج له.
لذلك فإن وجود إعلان يقول:
“شركة تداول عملات رقمية مرخصة من البنك المركزي العراقي”
يجب التحقق منه مباشرة من مصادر البنك الرسمية وعدم الاعتماد على الإعلان نفسه.
هل العملات الرقمية قانونية لأنها متاحة على الإنترنت؟
لا.
إمكانية الوصول إلى موقع أو تطبيق من داخل العراق لا تعني أن الخدمة مرخصة محليًا أو أن أموال المستخدم محمية من جهة عراقية.
ينطبق الأمر نفسه على وجود تطبيق في متجر التطبيقات أو إمكانية فتح حساب.
يجب الفصل بين إمكانية الوصول التقنية والوضع القانوني والتنظيمي للخدمة.
ما حكم تداول العملات الرقمية شرعًا؟
لا يصح أن نقول ببساطة إن هناك إجماعًا مطلقًا لجميع العلماء على حكم واحد للعملات الرقمية.
من المواقف المؤسسية المهمة قرار لجنة الاجتهاد والفتوى في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين عام 2022، والذي انتهى إلى عدم جواز التعامل بالبيتكوين والعملات الرقمية غير الرسمية في حالتها التي تناولها القرار، مع ذكر أسباب تتعلق بطبيعتها ووظائف النقود والمخاطر والمفاسد المرتبطة بها. كما استثنى القرار العملات الرقمية الرسمية التي تصدرها أو تتبناها الدول والبنوك المركزية.
لكن النقاش الفقهي لم يتوقف عند ذلك؛ ففي 2025 نشر الاتحاد نفسه تقريرًا عن رأي رئيسه علي القره داغي يفرق فيه بين أنواع من العملات المشفرة بحسب طبيعتها واستخداماتها، وهو ما يؤكد أن المسألة لا تُختزل في حكم واحد على كل أصل رقمي بلا تمييز.
لذلك الأدق للمستخدم هو النظر إلى:
- طبيعة العملة.
- استخدامها الفعلي.
- وجود منفعة حقيقية أو اقتصارها على المضاربة.
- طريقة التداول.
- وجود ربا أو رافعة أو قرض.
- الغرر والمخاطر.
- مدى الالتزام بالقانون المحلي.
ومن يريد فتوى شخصية ملزمة له ينبغي أن يعرض تفاصيل معاملته نفسها على جهة شرعية مؤهلة.
هل كل العملات الرقمية لها الحكم نفسه؟
ليس بالضرورة.
هناك اختلافات كبيرة بين الأصول الرقمية نفسها.
فبعضها صمم أساسًا كنظام دفع أو تحويل قيمة، وبعضها يستخدم لتشغيل تطبيقات وعقود ذكية، وبعضها يقوم بصورة شبه كاملة على المضاربة والترويج.
لذلك تطبيق حكم واحد على آلاف العملات دون دراسة طبيعتها قد يكون تبسيطًا غير دقيق.
ولهذا لا تكفي شهرة العملة أو قيمتها السوقية، كما في حالة Bitcoin وEthereum وBNB، لتحديد حكمها الشرعي.
ما الفرق بين العملة الرقمية الرسمية والعملات المشفرة؟
هناك فرق مهم.
العملات المشفرة اللامركزية مثل البيتكوين لا يصدرها بنك مركزي.
أما العملة الرقمية للبنك المركزي (CBDC) فهي عملة رقمية رسمية تصدر أو تضمن من سلطة نقدية.
حتى لجنة الاجتهاد والفتوى التي اتخذت موقفًا بالمنع من العملات المشفرة غير الرسمية ميزت بينها وبين العملات الرقمية الرسمية التي تصدرها الدول.
كما أشار تقرير للبنك المركزي العراقي إلى العمل على خارطة ودراسات تتعلق بتبني العملات الرقمية للبنوك المركزية، وهو موضوع مختلف عن السماح بالتداول بالبيتكوين والعملات المشفرة الخاصة.
ما حكم تعدين العملات الرقمية؟
التعدين هو عملية تقنية تستخدم في بعض شبكات البلوكشين لإضافة المعاملات وتأمين الشبكة، وفي بعض الأنظمة يحصل المشاركون مقابل ذلك على مكافآت رقمية.
وتتباين الآراء المنشورة حول حكم التعدين؛ فبعضها يعتبره جائزًا بصورة عامة، بينما يصفه بعضها الآخر بأنه حرام في حالات واسعة.
والأدق عدم تبني أي من الحكمين بهذه الصورة المطلقة.
الحكم على التعدين قد يتأثر بعدة أمور:
- الأصل الرقمي الذي يتم تعدينه.
- طريقة الحصول على الكهرباء والمعدات.
- طبيعة المكافأة.
- قانونية النشاط.
- الآثار المالية أو التعاقدية المصاحبة.
- الحكم الشرعي للأصل نفسه.
لذلك لا يصح اعتبار التعدين حلالًا أو حرامًا تلقائيًا بمجرد كونه “تعدينًا”.
هل تعدين البيتكوين مسموح في العراق؟
من الناحية التنظيمية، المصادر الرسمية التي راجعناها تركز أساسًا على التعامل والتداول واستخدام القطاع المالي والبطاقات والمحافظ الإلكترونية مع الأصول المشفرة.
لم نجد في تلك المصادر حكمًا حديثًا يسمح للمستخدم باعتبار تعدين البيتكوين نشاطًا مرخصًا رسميًا في العراق.
لذلك لا ينبغي اعتبار تعدين البيتكوين نشاطًا مسموحًا به رسميًا ما لم يصدر مصدر عراقي واضح ومحدث يثبت ذلك.
ما مخاطر تداول العملات الرقمية في العراق؟
حتى بعيدًا عن مسألة الحكم الشرعي، هناك مخاطر عملية مهمة.
غياب الحماية التنظيمية المحلية
البنك المركزي العراقي سبق أن أكد أنه لا يكفل العملات المشفرة ولا يوفر الحماية القانونية لمستخدميها وفق تحذيراته الرسمية.
الشركات الوهمية
سبق للبنك المركزي التحذير من جهات تنتحل صفة شركات استثمار أو تداول رسمية وتستخدم اسم البنك لاستقطاب الأموال.
التقلب العالي
الأصول المشفرة قد تشهد تحركات سعرية حادة في فترات قصيرة.
خسارة الأموال أو الوصول للمحفظة
في بعض أنواع المحافظ، فقدان بيانات الدخول أو المفتاح الخاص قد يعني فقدان الوصول إلى الأصول.
الاحتيال
قد تظهر مشاريع أو منصات أو رموز رقمية تهدف أساسًا إلى جمع الأموال ثم الاختفاء.
كيف أتحقق من منصة تدعي أنها مرخصة في العراق؟
لا تعتمد على شعار البنك المركزي أو عبارة “مرخصة” الموجودة على موقع الشركة.
تحقق من:
- الاسم القانوني الكامل للشركة.
- الجهة التي تدعي أنها منحت الترخيص.
- رقم الترخيص.
- وجود الشركة فعلًا في السجل الرسمي للجهة الرقابية.
- نطاق الخدمات التي يغطيها الترخيص.
فالترخيص لخدمة مالية معينة لا يعني تلقائيًا الترخيص لتداول العملات المشفرة.
هل يمكن استخدام بطاقة مصرفية عراقية لشراء العملات الرقمية؟
البنك المركزي العراقي أكد في قراراته منع استعمال البطاقات والمحافظ الإلكترونية الخاضعة للقطاع المالي الذي يشرف عليه لغرض المضاربة والتداول بالعملات الرقمية.
ولهذا لا يتضمن هذا الدليل أي طرق للتحايل على هذه القيود أو لتجاوز ضوابط المؤسسات المالية العراقية.
ما الفرق بين “العملات الرقمية” و”العملات الإلكترونية”؟
في الاستخدام الشائع على الإنترنت، قد تُستخدم عبارتا العملات الرقمية والعملات الإلكترونية للدلالة على العملات المشفرة نفسها.
لكن من الناحية التقنية، “الأموال الإلكترونية” قد تشمل أيضًا أرصدة ومدفوعات رقمية تمثل عملات تقليدية مثل الدينار أو الدولار.
لذلك عندما نتحدث هنا عن حكم تجارة العملات الإلكترونية في العراق فنحن نقصد العملات المشفرة والأصول الرقمية المشابهة، وليس كل وسيلة دفع إلكترونية أو رصيد مصرفي رقمي.
هل البيتكوين له حكم مختلف؟
البيتكوين هو أشهر أصل مشفر، ولهذا توجد حوله فتاوى ودراسات مستقلة.
ولأن البيتكوين يحتاج إلى تناول مستقل، خصصنا له دليلًا منفصلًا يشرح حكم البيتكوين في العراق بالتفصيل، بينما يركز هذا المقال على العملات الرقمية بشكل عام.
أسئلة شائعة
هل تداول العملات الرقمية مسموح رسميًا في العراق؟
البنك المركزي العراقي أصدر تحذيرات وقيودًا واضحة على التعامل بها داخل المؤسسات المالية الخاضعة لرقابته، بما في ذلك منع استخدام البطاقات والمحافظ الإلكترونية للمضاربة والتداول بها. لذلك لا ينبغي التعامل معها باعتبارها نشاطًا ماليًا محليًا مرخصًا أو محميًا من البنك المركزي.
هل توجد حماية من البنك المركزي إذا خسرت أموالي في العملات الرقمية؟
البنك سبق أن أوضح أنه لا يكفل العملات المشفرة ولا يوفر الحماية القانونية لمن يتعامل بها وفق تحذيراته الرسمية.
هل العملات الرقمية حلال أم حرام؟
توجد آراء وقرارات فقهية مختلفة بحسب طبيعة الأصل والمعاملة. من أبرزها قرار لجنة الاجتهاد والفتوى بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي منع التعامل بالعملات الرقمية غير الرسمية في الحالة التي تناولها، بينما توجد اجتهادات أحدث تفرق بين أنواع العملات واستخداماتها.
هل العملات الرقمية والعملات الإلكترونية شيء واحد؟
قد يستخدم المصطلحان بالمعنى نفسه في المحتوى العام، لكن “الأموال الإلكترونية” أوسع تقنيًا وقد تشمل وسائل دفع رقمية مرتبطة بالعملات التقليدية.
هل يمكن تعدين العملات الرقمية في العراق؟
لا ننصح بوصف التعدين بأنه نشاط مرخص أو ممنوع بصورة مطلقة دون نص تنظيمي محدد يتعلق بالتعدين نفسه. أما من الناحية الشرعية فالحكم يعتمد أيضًا على الأصل وطبيعة العملية والظروف المرتبطة بها.
هل وجود منصة على الإنترنت يعني أنها قانونية في العراق؟
لا. إمكانية الوصول إلى المنصة لا تثبت أنها مرخصة في العراق أو أن الأموال الموجودة لديها محمية من جهة عراقية.
الخلاصة
لفهم حكم تداول العملات الرقمية في العراق يجب التفريق بين الجانب القانوني والجانب الشرعي.
من الناحية التنظيمية، أصدر البنك المركزي العراقي تحذيرات وقيودًا واضحة بشأن العملات المشفرة، ومنع المؤسسات المالية الخاضعة لرقابته من استخدام البطاقات والمحافظ الإلكترونية للمضاربة والتداول بها، كما أكد عدم توفير الحماية القانونية لتلك الأصول ضمن المواقف الرسمية التي راجعناها.
ومن الناحية الشرعية، لا ينبغي تقديم المسألة على أنها رأي شخصي للموقع أو الادعاء بوجود إجماع مطلق؛ توجد قرارات فقهية مؤسسية بالمنع من بعض صور العملات الرقمية غير الرسمية، كما توجد اجتهادات تفرق بين الأصول بحسب طبيعتها واستخدامها.
والأهم قبل التعامل مع أي منصة هو التحقق من الوضع التنظيمي الحالي ومصدر الترخيص وطبيعة المنتج المالي والمخاطر المصاحبة له.



